أحمد الفاروقي السرهندي
104
المكتوبات ( الدرر المكنونات النفيسة )
والجذبة مجال لقدم ولاية الأولياء وممرّ - لم يخبر هؤلاء الأكابر أيضا بالضّرورة عن خارج الآفاق والأنفس ولم يتكلّموا فيما وراء السّلوك والجذبة ويقولون بمقياس كمالات الولاية : إنّ أهل اللّه كما يرونه بعد الفناء والبقاء يرونه في أنفسهم وكلّ ما يعرفون يعرفونه في أنفسهم والحيرة فيهم في وجود أنفسهم وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَ فَلا تُبْصِرُونَ « 1 » للّه سبحانه الحمد والمنّة انّ هؤلاء الأكابر وإن لم يخبروا عن خارج الأنفس ولكنّهم ليسوا بمبتلين ومفتونين بالأنفس أيضا بل يريدون أن يجعلوا الأنفس تحت كلمة " لا " كالآفاق وأن ينفوها بعلّة الغيريّة قال الخواجة الأعظم - قدّس سرّه - : كلّ ما يرى ويسمع ويعلم فهو غيره تعالى ينبغي نفيه بحقيقة كلمة " لا " ( شعر ) ما غرّهم نقش ذا من نقش ذا بل أتوا * * * * في كلّ آن بنقش عزّ عن شبه ينبغي أن يعلم : أنّ نفي الغيريّة غير انتفاء الغيريّة شتّان ما بينهما وإنّما قلت أن ليس للولاية مجال القدم في خارج الجذبة والسّلوك والآفاق والأنفس فإنّ ما وراء هذه الأركان الأربعة للولاية مبادى كمالات النّبوّة ومقدّماتها ويد الولاية قاصرة عن تلك الشّجرة العالية الرّفيعة وقد اهتدى إلى هذه الدولة الأكثرون من أصحاب الأنبياء عليهم الصّلاة والسّلام والأقلّون من سائر الأمم بتبعيّة الأنبياء ووراثتهم عليهم الصّلوات والتّحيّات وقطعوا بهذا الطّريق الجامع للجذبة والسّلوك منازل البعد ووضعوا أقدامهم فيما وراء السّلوك والجذبة وخرجوا من دائرة الظّلال بالتّمام وخلّفوا الأنفس كالآفاق وراءهم وفي هذا المقام التّجلّي الذّاتيّ البرقيّ - الذي هو كالبرق الخاطف لغيرهم - دائميّ لهم بل معاملة هؤلاء الأكابر فوق التّجلّي برقيّا أو غيره فإنّ التّجلّي يستدعي نحوا من الظّلّيّة والنّقطة من الظّلّيّة جبل عظيم لهؤلاء الكبراء وبداية أمر هؤلاء العظماء الجذب والمحبّة الإلهيّة جلّ سلطانه فإذا زادت تلك المحبّة بعناية اللّه جلّ سلطانه وعظم شأنه الّتي لا غاية لها واستولت ساعة فساعة وقويت وغلبت تشرع محبّة ما سواه تعالى بالضّرورة درجة فدرجة في الزّوال ويرتفع التّعلّق بالأغيار بالتّدريج فإذا زالت محبّة ما سواه تعالى عن صاحب دولة باستيلاء محبّته جلّ سلطانه بالكلّيّة وصار محلّها التّعلّق والمحبّة ما سواه تعالى عن صاحب دولة الرّذيلة وأخلاقه الرّديئة بالتّمام وصار محلّى بالأخلاق الحميدة وتحقّق بالمقامات العشرة وما كان له تعلّق بالسّير الآفاقيّ تيسّر بلا مؤنة السّلوك التّفصيليّ وبلا رياضات شاقّة ومجاهدات « 2 » شديدة ؛ فإنّ المحبّة تقتضي إطاعة المحبوب فإذا بلغت المحبّة كمالها حصلت الإطاعة بتمامها وحيث حصلت الإطاعة على
--> ( 1 ) الذاريات : 21 ( 2 ) المجاهدة : هي حمل النفس على المشاق البدنية ومخالفة الهوى على كل حال فإن الهووى يطلب الاسترسال فيما ترغب النفس فيه بطبعها ومخالفته تقييده بالتزام الأمر والنهي . انظر : الكاشاني : رشح الزلال : 99 .